ورقي أم إلكتروني من يعيش أكثر..


لم يتبقى إلا لحظات قليلة على هبوط الطائرة في مطار واشنطن، وهنا تلحظ الفرق بيني وبين إزابيل التي تجلس على المقعد المجاور، فبينما هي تحمل كتاباً ورقياً أحمل أنا جهاز الآيباد فتارة أقرأ وأخرى ألعب، ولم أتوقف عن هذا إلا بعد أن أعلن قبطان الطائرة عن قرب الهبوط وضرورة أن يغلق الركاب أجهزتهم النقالة.

إلتفت لي إزابيل بعد أن أغلقت الآيباد وقالت “سيبقى الورق فليس كل شيء إلكتروني”، وهذا ما يفسر بعض نظريات الإعلامين في تبدل وسائلهم وتغيرها من فترة لفترة، فلم يقضي التلفاز على الراديو، ولم تقضي الصحف اليومية على الكتاب، وبقى كلاً له سوقه.

واليوم وبعد أن انتشرت الإنترنت في كل مكان هل قضى نحب الإذاعات، بل رأيناها منتشرة في كل مكان وأغلب شيء في السيارات، ولم يتقلص وجودها أبداً، رأينا كيف انتشرت من جديد وبث فيها الروح، وكيف زاد حجم الإعلانات من خلال الإذاعات التي تعتبر مصدر الدخل الأول لها، ولم ينحصر سوقها.

أيضاً في المجتمعات الغربية وهم سبقونا كثيراً في العصر الرقمي، لم يختفي الكتاب الورقي مقابل الكتاب الإلكتروني، بل إن مبيعات الكتاب الورقي في ازدياد عن ذي قبل، ولم نجد ما يمنع من إنتشارها بالرغم من قلة تكلفة الجهاز الإلكتروني وقارئ الكتاب هناك.

هذا الأمر يدعو لقليل من التأمل فهل ستنتهي الصحافة الورقية؟، هذا الحديث جدلي ولا يستطيع أحد الجزم فيه، وتبقى الإجابة عليه صعبة، فبالرغم من أن المتخصصين في الإعلام يقولون أن وسائل الإعلام تتبدل ولا تموت، إلا أن المتحمسون للصحافة الإلكترونية والشبكات الإجتماعية يرون أن الصحافة الورقية في نعشها الأخير، وهنا تكمن المشكلة فكلا الفئتين غير راضية عن الأخرى، فلا تجد عبارات منصفة من الطرفين إطلاقاً.

مما لا شك فيه أن الصحافة الورقية تأثرت من الصحافة الإلكترونية بعامل أساسي واحد هو سرعة النشر، فالخبر يكون في حينه موجوداً على الإنترنت، بينما تحتاج الصحافة الورقية إلى يوم كامل لإيصال الخبر، وهذا هو الشيء الوحيد التي تفوقت فيه الصحافة الإلكترونية.

أما من ناحية الحبكة الصحفية، والقصة الخبرية، والمادة الإعلامية، والمقال، فلا تجد في الصحافة الإلكترونية ما يشير إلى أن هناك صناعة إعلامية حقيقية، مجرد اقتباسات من الورقي، وتركيز على أخبار الإثارة والحوادث، لا تخلق هوية للإلكتروني.

لا أحد يستطيع الجزم بمن سينتهي قبل الآخر، ولا أحد يجزم أن الصحافة ستنتهي للأبد، فهذه صحيفة نيوزويك بعد 14 شهر من تحويها لإلكترونية عادت لتكون ورقية بطلب من القراء أنفسهم، صحيح أن نسبة الطباعة إنخفضت من أكثر من ثلاثة ملايين نسخة إلى سبعين ألف نسخة، إلا هذا يعطي مؤشر حقيقي عن أنه سيكون هناك جمهور مهما أختلفت الوسائل، ويعطي دلالة قطعية أن الجزم بإنتهاء الصحافة الورقية لم يحن بعد.

سجل أعجابك

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.