
اغرورقت عينا حيزان بالدموع حتى بللت لحيته الكثيفة، ماذا دهى هذا المسن ولماذا هذا الصراخ والعويل، هل فقد شخصياً غالياً عليه، أم هل خسر في أسواق الأسهم..
تساؤلات تبحث عن إجابة.. هو يقف في المحكمة أمام أخيه الأصغر متنازعين من يرعى الأم، كل واحد منهما يريد أن ينال شرف رعايتها..
ترى هل تمتلك هذه الأم ملايين الريالات، ربما تمتلك أرصده في سويسرا، وناطحات سحاب في الشرق، وشركات تقنية في الغرب، ولكن الحقيقة المرة أنها لا تمتلك سوى خاتم نحاسياً واحداً، والقاضي في أشد الحيرة لم يحكم برعاية هذه المسنة فهي لم تجب على سؤاله بمن ترغب العيش معه..
عندما روت د.فاطمة العبودي [1] القصة بكل تفاصيلها في جريدة عكاظ بحثت عن خيط يوصلني لتفسير مقنع لهذا البر الغريب ولم أجد، فشبابنا يتباهون بالعقوق، فهذا يشتم أبيه والآخر يلعن أمه ويرفع صوته عليها، أين أنت منهم يا حيزان؟، تذكرت حينها ذالك الكهل وهو يحمل أبيه الكهل على ظهره في الحج، وتساءلت كيف كانت تربية هذه الأم وهذا الكهل لأبنائهم؟!.
أمي..
أعلم كم أتعبتكِ منذ صغري، فلم أكن طفلاً هادى الطباع، أتذكر عندما نمت في المشفى لأكثر من خمسة أشهر وعمري عندها عشر سنوات كيف سهرتِ الليل بكل ويلاته.. بكل معاناته.. وبكل إزعاجي.. وأنتي ترعي هذا الصغير المزعج..
أتذكر يا أمي كيف قاتلتي لكي أكمل تعليمي، كيف وفرتي لي أول جهاز حاسوب..
أتذكر يا أمي كيف كنتِ تبكي عند مغادرتي للدراسة في الخارج ولم أستطع أن أكفف هذه الدموع ورحلت بصمت..
أتذكر كيف اتخذت قرارات أزعجتكِ كثيراً، وسببت لكِ الإحراج، ولمتيني على ذلك، وعندما ثبت لي فشلها وحاولت التراجع عنها وقفتِ بجانبي حتى تنجح هذه القرارات..
أتذكر يا أمي قبل عدة أشهر عندما وصل خبر وفاة صغيري لكِ.. تركت كل شيء وضحيتي براحتك من أجل أن تسهري معي طوال الليل في المشفى وتكفكفي دمعي، وتواسي همي..
وها أنتِ الآن تكميلي مشوار التضحية وتنامي مع أختي الصغرى في المشفى..
أتذكر.. وأتذكر.. وأتذكر..
ومع ذلك أنا مقصر يا أمي..
أمي هلا غفرت لي..

