لم أحاول سابقاً أن أرد على من يدخلون في نيات البشر وما بداخل قلوبهم، لأنهم يقولون أشياء لا أعتقد أنها موجودة إلا في عقولهم وحدهم، فعندما تحدثت عن خواطر الأستاذ أحمد الشقيري [1] في تدوينة “الأسرة.. التربية.. التعليم.. يا أحمد الشقيري! [2]” كان الهدف هو الإضافة والإفادة وتحديد مكمن الخلل الذي نعاني نحن منه ويزيدنا نزفاً، والتشجيع على العمل لتحقيق ذلك بعيداً عن التنظير..
لا شك أن حلقات برنامج خواطر [3] لهذا العام حركت شيئاً كثيراً في قلوبنا، قدم فيها الأستاذ أحمد الشقيري [1] أمامنا أمثلة عن الأخلاق الحميدة التي من شأن أي شخص التقيد بها وتطوير نفسه، وحاول أيضاً أن يضع المقارنة أمامنا في أمور قد يعجز الفرد عن تنفيذها لوحده، وقدم أمور لن نستطيع أن ننفذها بدون تخطيط من المسئولين وأصحاب المال والنفوذ..
هو أبدع في برنامجه وهذا الأمر لا يختلف عليه إثنان، ولكن دعوني أضرب لكم مثلاً بسيطاً وأتمنى أن تتأملوا جوانبه بشكل إيجابي بعيداً عن كيل التهم للأخر التي تزيدنا تخلف على تخلفنا، فعند عرض حلقة النفايات في برنامج خواطر شاهدنا نظاماً متكاملاً أمامنا، وربما لم يعرض علينا بشكل كامل، فشاهدنا كيف تجمع النفايات؟، وكيف يتم التخلص منها؟، والمستحقات التي يجنيها العامل في هذا المجال وأين يسكن؟، وهذا كله لا يستطيع أي فرد منا تنفيذه بدون أن تتدخل الحكومات وتضع النظام والطريقة والأسلوب، بينما لم تستعرض الحلقتين كيف تفرز النفايات في المنزل الياباني والذي يستطيع تنفيذها كل فردٍ منا في منزله، فالنفايات في المنزل تفرز بحيث توضع الأمور التي يمكن تدويرها مثل البلاستيك والزجاج والمعادن في أكياس لوحدها، أما بقية النفايات والتي لا يمكن تدويرها يخصص لها حاويات مستقلة، بالإضافة إلى ذلك في كل المحلات التجارية والأماكن العامة هناك حاويات خاصة بالبلاستيك وأخرى بالزجاج وأخرى للبقية النفايات، فهل يا ترى نستطيع أن يبدأ كل شخص منا بتنفيذ ذلك في منزله، ويكون إيجابياً..
أتذكر عندما كنت صغيراً ومع بداية عصر النهضة في عهد الملك خالد رحمة الله كيف كانت أكياس وحاويات النفايات توزع على المنازل من أجل أن ينتقل المجتمع من مجتمع بدوي إلى مجتمع حضاري، وبالفعل تحقق ذلك فاليوم لا توزع على منازلنا أكياس وحاويات النفايات وإنما نقوم نحن بشرائها، لأنه وببساطة بالتوعية والعمل والتنفيذ تغير فكر البشر وأنخرط في الحضارة، ولا شك من أنكم تعرفون كيف كانت الجهود قبل ذلك الوقت تسير بخطى متسارعة لتوطين البادية فلا بد مع التوطين من تعلم لمعاني الحضارة..
أمر آخر عندما تحدث الأستاذ أحمد الشقيري في خواطره عن الزر الذي يوجد في مرحاض الحمام ويصدر صوت فلاش لكي لا ينزعج الشخص المجاور من هذا الصوت، ومن المعروف أنه لا يكون هناك شخص مجاور إلا في الحمامات العامة وحمامات العمل، بالنسبة لي ففي العمل قبل أن يستخدم أحدنا دورة المياه عند الوضوء لبدء مشرع ما نستخدم جهاز التجفيف ولا شك أنكم تعرفون حجم صوته لكي لا يحرج الشخص الموجود في الحمام وبالعامي لكي يأخذ راحته، وهذا يدل على أن الرغبة في عدم إزعاج الغير موجودة والرغبة في عدم إحراجهم أيضاً موجودة، ولكن لا توجد أداة في دورة المياه الداخلية لكي نستخدمها، فكيفنا الأدوات الموجودة في الخارج لتحقيق ذلك، فهل نستطيع نحن إنتاج وتصنيع هذه الحمامات؟، ولماذا لا تقوم الشركات الموجودة حالياً بتوفير هذه الميزات في حماماتنا؟، فهذا الأمر لن يستطيع تحقيقه أي فرد بدون عمل جماعي..
بالنسبة لي سفرتي لليابان والدراسة هناك غيرت كثير من أموري الخاصة والعامة، وعلمتني أكثر من ذلك، علمتني الصبر، وقد تحدثت منذ أكثر من سنة في مدونتي ونشر في مجموعة أبو نواف البريدية [4] عن عدة أمور في الثقافة اليابانية فكانت تدوينة “حتى اليابان يراها المكفوفين ونحن لا نراهم! [5]“، وتدوينة “ذكريات عيد الحب.. [6]“، وسأستمر في ذلك، ولكن ليس المطلوب مني ومن الأستاذ أحمد الشقيري الكلام والتنظير فقط، وإنما العمل أيضاً، والعمل مطلوب من جميع أفراد المجتمع، من الدول والحكومات، من الشركات والمؤسسات، من الجميع، أما أن نصفق لبرنامج خواطر على نقله للتجربة اليابانية بعد أربعة مواسم من خواطر والكلام المتواصل بدون عمل فهذه هي المأساة..
وختاماً:
فالنعمل جميعاً إذا أردنا أن نرتقي..

